باحث ريفي وأسود
تأملات في الكتابة والهوية والعنف، قبيل التوقف المؤقت عن الكتابة الصحفية
قبل نشر مقالي الأخير في موقع المنصة، بعنوان “الفتنة الغذائية الكبرى: كذبة كاملة من أنصاف الحقائق”، كنت قد اتخذت قرارًا بالتوقف عن الكتابة الصحفية لبعض الوقت، لانشغالي بالتزامات مهنية. لكنني شعرت برغبة في تسجيل ملاحظة أخيرة قبل هذا التوقف، ملاحظة ليست سببًا للابتعاد عن الكتابة، بل لعلها كانت أحد الدوافع للاستمرار فيها طوال السنوات الماضية.
منذ عام 2017، كتبت في موقع المنصة نحو ثلاثين مقالًا وقصة، إضافة إلى عدد من المقالات والقصص الفردية والمشتركة في “مدى مصر” وجدلية ومواقع أخرى. وخلال هذه السنوات، ظلت الكتابة الصحفية بالنسبة لي مرتبطة بجملة قالها المفكر الراحل حلمي شعراوي، أحد أهم الباحثين والناشطين في نسج خيوط التواصل العربي الأفريقي، والذي كان يُعرف بين تلاميذه ورفاقه بلقب “الموليمو” (Mwalimu)، وهي كلمة سواحلية تعني “المعلم” أو “الأستاذ”.
التقيت بحلمي شعراوي مرة واحدة فقط، حين كنت طالب دكتوراه. أهداني يومها عددًا من إصدارات مركز الدراسات العربية والأفريقية، وخلال الحديث جاءت سيرة أحد الباحثين المعروفين، فقال لي: “هذا ممن يكتبون للأجانب”. لم تكن الجملة إدانة بقدر ما كانت سؤالًا : لمن نكتب؟
ظلت هذه العبارة عالقة في ذهني منذ ذلك اليوم. حاولت قدر المستطاع أن يكون جزء من كتابتي موجهًا إلى القارئ غير المتخصص، لا إلى الجمهور الأكاديمي الدولي وحده. لم يكن ذلك رفضًا للكتابة الأكاديمية أو للنشر الدولي، بل محاولة للجمع بين المجالين، وبحثًا عن لغة تتجاوز حدود الجامعة والمؤتمرات والمجلات العلمية ومعامل الأثر وتصنيفاتها.
وحين قررت التوقف الآن بشكل مؤقت، وجدت نفسي أعود إلى السؤال نفسه من زاوية أخرى: ليس فقط لمن نكتب، بل من يُسمح له بأن يُقرأ دون أن تُساءل هويته أولًا.
خلال هذه الرحلة، تلقيت نقدًا جادًا لأفكاري، وخضت نقاشات حادة أحيانًا، وهو أمر أعتبره صحيًا وضروريًا. لكنني لاحظت أيضًا نوعًا آخر من التفاعل، لا يتعلق بالأفكار نفسها، بل بهوية من يطرحها.
الملاحظة الأولى تتعلق بكوني باحثًا في علم الاجتماع الريفي. كانت هناك أحيانًا سخرية ضمنية أو صريحة من كل ما هو “ريفي” أو “فلاحي”، وكأن الانتماء إلى هذا العالم أمر ينبغي تجاوزه أو التحرر منه. كان بإمكاني أن أقدّم نفسي من خلال صفات أكاديمية “أكثر قبولًا” - الدكتوراه من باريس نانتير، العضوية في مجالس بحثية اقليمية، الزمالات الفرنسية والالمانية والجامعة الامريكية ببيروت - لكنني ظللت أعتبر أن دراسة المجتمع الريفي العربي والمسألة الفلاحية تمثلان جوهر هويتي الأكاديمية منذ عينت في تخصص المجتمع الريفي بقسم الاقتصاد الزراعي بجامعة جنوب الوادي بقنا، لا هامشًا يُخفى.
وربما لهذا كانت تلك السخرية تذكّرني دائمًا بالموقع الذي يشغله الفلاحون وعمال وعاملات الزراعة أنفسهم داخل التراتبية الاجتماعية، وبالكيفية التي يُنظر بها إلى كل ما هو ريفي/فلاحي باعتباره أقل شأنًا.
الملاحظة الثانية تتعلق بهويتي النوبية ولوني الاسود. كان مجرد لون البشرة أو الصورة الشخصية كافيًا أحيانًا لاستدعاء تصورات نمطية، أو لإثارة الشك في حقي في الحديث عن مياه النيل، أو عن المقارنة بين أهرامات الجيزة وأهرامات مروي، أو عن المركزية الأفريقية. مرة، في نقاش حول مقال لي عن سد النهضة، جاء أحد التعليقات ليسأل - قبل أن يناقش حجّة واحدة فيه - حول كوني غير مصري لا شان لي بذلك او انني انتمي “للوبي الاثيوبي”، وكأن الموضوع نفسه لا يخصني إلا بقدر ما يفسّره لون بشرتي.
لا يستطيع الإنسان تغيير لون بشرته وانتماؤه العرقي، لكنه يستطيع أحيانًا أن يخفي بعض خلفياته أو يقلل من حضورها. كان بإمكاني أن أختار صورة أكثر “اعتيادية” على لينكدإن أو على المواقع الأكاديمية، بدل صورة بالعراقي أمام سبيل بيتنا الطيني، أو أخرى بالجلباب البلدي. لكن تلك الصور لم تكن محاولة لصناعة صورة استثنائية عن الذات، بقدر ما كانت تعبيرًا عن ارتباطي بخلفياتي المتعددة، وتذكيرًا لنفسي بأن التكوين الأكاديمي لا يلغي الجذور الاجتماعية والثقافية التي جاء منها الإنسان.
في كثير من الأحيان، لم يكن الخلاف الحقيقي مع الأفكار التي أطرحها، بل مع هوية من يطرحها. وهنا يتقاطع الوصم الطبقي المرتبط بالريف والفلاحة مع الوصم العرقي المرتبط باللون والانتماء النوبي.
لا أكتب هذه الملاحظات على سبيل الشكوى أو تقديم سردية عن المعاناة الشخصية، بل لأنها تطرح أسئلة أوسع تتعلق بإنتاج المعرفة العامة وتلقيها: من يُنظر إليه بوصفه منتجًا مشروعًا للمعرفة؟ من يُمنح حق الحديث في قضية بعينها دون غيره؟ وكيف تؤثر الطبقة والمنطقة والانتماء الإثني في استقبال الفكرة نفسها، بصرف النظر عن قيمتها؟
وربما كان هذا أحد أهم الدروس التي تعلمتها من الكتابة الصحفية خلال السنوات الماضية: أن النقاش الفكري لا ينفصل أبدًا عن البنى الاجتماعية التي تحدد من يُسمع صوته، ومن يُنظر إليه باعتباره جديرًا بالإنصات.
وأدين بالكثير في هذه الرحلة لذكرى حلمي شعراوي، الذي دفعتني جملة واحدة منه، منذ سنوات طويلة، إلى التفكير في سؤال ما زال مفتوحًا حتى اليوم:
لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟




انا مع القرار دا وترجع بفورمات انت تختاره مش تلتزم بفورمات الصحافه اللي بيقيم بعدد المصادر والتوازن لانه مفترض الصحفي شخص غير متخصص في المجال اللي بيناقشه فالحكم عليه من قد ايه هو اتعلم وعمل شغل وفرك. هنا الاكاديمي متخصص في نقطه ضيقة ومطلوب منه يوصلها للناس اظن كل الفورماتس اللي الصحافه المصرية بتقدمها حاليا مش مناسبه للاكاديميين المصريين
محتاجين منصات تتيح للاكاديميين تبسيط غير مخل للي بيعملوه مش تغطيات لشغلهم لا الاكاديميين نفسهم يكتبوا وينوروا المشاكل من عدستهم هم
الفكرة انه حتى القهراوية او الناس اللي بتدعي التحضر و بتتعامل بفوقية مع كل ماهو ريفي، ف هما اكيد بنسبة مثلا ٩٥٪ من اصل ريفي، سواء صعايدة أو فلاحين، حتى لو مش من قريب بس اصلهم من بعيد ممكن الجد السابع او التامن مثلا
احنا فمصر عندنا ثقافات كتير ومختلفة بدل ما نتعلم ازاي نحترم الاختلاف ونعرف نتحد مع بعض، معندناش غير التريقة والتفرقة وقلة الادب