بين ميلانشون وكوربن
ملاحظات حول حدود الإصلاح من الداخل
في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام ٢٠١٧، فاز بنوا امون في الانتخابات التمهيدية الداخلية لليسار الفرنسي. كان هامون يمثّل يسار الحزب الاشتراكي، وقدم برنامجا انتخابيا دافع عنه الاقتصادي المعروف توماس بيكيتي وكان من أبرز المروّجين لأفكاره، تمحور حول إصلاحات جذرية في التعليم والصحة والضرائب، وطرح للمرة الأولى في الفضاء السياسي الفرنسي فكرة الدخل الأساسي المعمم.
في الانتخابات نفسها، خاض جان-لوك ميلانشون المنافسة خارج الحزب الاشتراكي الذي استقال منه عام ٢٠٠٨، بعدها أسس حزب اليسار ثم حركة فرنسا الأبية عام ٢٠١٦ وقاد حملة رئاسية شرسة ضد الاشتراكي، كان من أبرز رموزها كسر وردة الحزب في تحميل مباشر له مسؤولية السياسات النيوليبرالية التي مررها فرانسوا هولاند، الذي لم يقدم على الترشح لولاية جديدة (على غير المعتاد في فرنسا) بسبب تراجع شعبيته الحاد. وقد ارتبط ذلك بسياسات اجتماعية أثارت غضبا واسعا ودفعت ملايين الفرنسيين إلى الشارع، رفضا لخيارات اتخذت في مواجهة النقابات والقوى الشعبية التي أسهمت في إيصاله إلى السلطة.
نجح ميلانشون في فرض نفسه وحركته الوليدة فرنسا الأبية بوصفها القوة الأولى لليسار الفرنسي رغم فشله في دخول انتخابات الاعادة لينجح ايمانويل ماكرون مرشح تحالف الوسط ويمين الحزب الاشتراكي الذي تقهقر كثيرا. في تلك المرحلة، كنت أرى هذا خيار ميلانشون خطا استراتيجيا؛ إذ بدت لي تلك لحظة تاريخية كان يمكن فيها انتشال اليسار الديمقراطي من انجرافه النيوليبرالي عبر تحالف يجمع جناحيه الإصلاحي والراديكالي لبناء يسار جديد. بيد أن صوفي شيكيرو المقربة من ميلانشون ومن فرنسا الأبية روت (مؤخرا) أنه عقب فوز بنوا امون بالانتخابات التمهيدية للاشتراكي، جمع ميلانشون فريقه وطرح عليهم السؤال مباشرة: هل نتراجع عن الترشح ونمنح الاشتراكيين الديموقراطيين فرصة اخري وننسحب، أم نمضي قدما في ترشحنا؟ وكانت الإجابة بالإجماع: المضي قدما، وعدم الرهان على حزب اعتاد خذلان العمال والطبقات الشعبية وإعادة إنتاج السياسات النيوليبرالية.
يطرح هذا الاختيار سؤالا بنيويا قديما: هل يمكن تغيير هذه الأحزاب من الداخل؟ وللإجابة لا نحتاج إلى تكهنات، فالتجربة البريطانية قدمت لنا اختباراً حياً وحاسماً، مع الإقرار بأن لكل سياق خصوصيته وحدود المقارنة.
لم يكتفِ جيريمي كوربن بالمراهنة على التغيير من الداخل، بل نجح فعلا في الوصول إلى قيادة حزب العمال وهيمن على توجهه لسنوات. كان يمثّل يساراً حقيقياً داخل حزب أنجب توني بلير ومشروعه النيوليبرالي في الداخل وكولونياليته وانحيازه الصريح لإسرائيل في الخارج، وحمل رؤية مختلفة في السياسة الاقتصادية والموقف من السياسة الخارجية البريطانية. غير أن أجهزة الحزب الداخلية لم تتوقف لحظة عن العمل ضده، وهو ما وثّقته لاحقا ملفات العمال التي كشفتها قناة الجزيرة عام ٢٠٢٢، إذ أظهرت أكثر من خمسمائة غيغابايت من الوثائق الداخلية حجم التآمر المنظّم على كوربن داخل أجهزة الحزب ذاتها. نجحت هذه الأجهزة في نهاية المطاف في إقصائه وطرده، وما إن غادر حتى استعاد الحزب مساره البليري بسرعة لافتة، كأن سنوات كوربن لم تكن. أُلقيت معظم الأفكار الراديكالية التي أنتجتها تلك المرحلة في سلة المهملات، تماماً كما أُلقي المشروع الانتخابي لهامون وما تضمّنه من أطروحات جذرية.
في المقابل، حين نقارن هذا المسار بما آلت إليه “فرنسا الأبية”، تتضح النتيجة. ما تبقّى من تيار كوربن أصوات مستقلة جريئة تُحدث صدى إعلامياً وتفاعلا، لكنها لا تمثل تهديداً حقيقياً للنظام ولا تؤثر في مساره إلا بقدر محدود من الإزعاج وهذا لا يقلل من مجهوده ودوره الحيوي في دعم الحركة الاجتماعية. أما “فرنسا الأبية” فتمثّل اليوم قوة تنظيمية فاعلة لا يمكن تجاهلها، صمدت في وجه ضغوط متواصلة من اليمين واليسار والأذرع الإعلامية للحكومة. الخروج من الحزب وبناء البديل أثبت جدواه، والبقاء داخله أثبت محدودية اثره علي الأقل في تلك التجربتين المعاصرتين.
ثم جاءت غزة
غيّرت غزة تقييمي لترشيح جون لوك ميلانشون في ٢٠١٧ (عبرت عن هذا الراي الغير موفق عام ٢٠٢١ في مقال سابق بالمنصة) لكنها لم تفعل ذلك فحسب، بل كشفت العمق الحقيقي لأزمة هذه الأحزاب اليسارية بشكل عملي ومعاصر (هناك دون شك دراسات متعمقة عن تاريخ وحدود الاحزاب الديموقراطية الاجتماعية الاوروبية). فمع اندلاع الحرب، استعاد الجناح الهولاندي بالحزب الاشتراكي الفرنسي وتيار “ربيع الجمهورية” الجناح الصريح في موالاته لإسرائيل ونيوليبراليته الاقتصادية، زمام المبادرة داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي، وأجبر قيادته التي كانت تحاول لملمة الحزب بعد إخفاقَي انتخابات ٢٠١٧ و٢٠٢٢ على الالتزام بهذا الخط، مُجهِضاً ما بدا من إمكانات للتغيير.
ما كشفته غزة هو أن الديناميكيات البنيوية داخل هذه الأحزاب لا تسمح للتيارات الراديكالية بالترسّخ، بل تعمل باستمرار على احتوائها أو تدمير أصحابها حين يعجز الاحتواء. والأدق من ذلك أن وظيفة الجناح اليساري داخل هذه الأحزاب محددة سلفاً: استقطاب الأصوات اليسارية في جولات الإعادة، واستقطاب الشباب اليساري، وإضفاء طابع ديمقراطي يُبرز التنوع والاختلاف، لكن القرار الفعلي يبقى في يد المجموعة اليمينية التي تُدير البنية التحتية للحزب وشبكات تمويله.
وهنا تأتي وثائق إبستاين لتُضيء بُعداً آخر لهذه المعادلة. فما كشفته من علاقة بيتر مانديلسون (أحد أبرز مهندسي حزب العمال البليري واحد الفاعلين الاساسيين إزاحة جيرمي كوربن) بشبكة النخب المالية العالمية ليس مجرد فضيحة فردية، بل يُجسّد البنية التي نتحدث عنها: شبكة علاقات تجعل هذه الأحزاب جزءاً عضوياً من منظومة النفوذ العالمية لا هامشاً عليها ولا خارجاً عنها. وهذا ما يفسّر لماذا لم يكن وصول كوربن إلى رأس الحزب كافياً لإعادة تشكيله؛ فالحزب بوصفه كلاً مؤسسياً أكبر من مجموع أجزائه وأعمق من مجرد قياداته المنتخبة. تمّ تدجين من أمكن تدجينه، وطُرد الأوفياء لكوربن معه.
غير أن غزة كشفت أيضاً ثغرة في مسار كوربن بعد خروجه من الحزب. فرغم أن حضوره في الشارع ظل مهماً وثقله الرمزي حقيقياً، فإن تردده وتأخره في اتخاذ قرارات تنظيمية وفكرية حاسمة أضاعا فرصة بناء تيار بديل متماسك. الخروج من الحزب وحده لا يكفي؛ التأسيس الفعلي للبديل يتطلب حسماً وجرأة في البناء والتنظير. وهذا ما أثبت ميلانشون جدواه، وما افتقر إليه كوربن حتى بعد خروجه. فالقدرة التنظيمية واليقظة الفكرية في قراءة الواقع ديناميكياً هما ما أتاحا لحركة فرنسا الأبية الصمود في وجه ضغوط متصاعدة ومتعددة الجبهات.
وفي الختام، هذه التدوينة ليست مقالة في الاجتماع السياسي، بل مجرد ملاحظات متابع (بشكل خاص لتحركات جان-لوك ميلانشون وتياره منذ ٢٠١٠)، هذه الملاحظات من تجارب بعيدة قد تنير نقاش أقرب. ففي مصر اليوم يعاد تدوير خطاب الإصلاح من الداخل، ويستعيد رموز الجناح الليبرالي الإصلاحي في الحزب الوطني المنحل خطاب إضاعة الفرص والممكن المهدر. يعاد تسويق هذه الرموز وهذه السردية عبر منصات عامة ومستقلة (ثورة البودكاست واعادة ادماج جل رجال جمال مبارك في النظام الجديد-القديم)، لكنها جميعا تتجاهل عن قصد حقيقة ما جرى: حركة الغضب العام والافقار المنظم وازمة النظام نفسه هي ما فرضت ما عرف بالإصلاح من الداخل، وفشل مشروع الإصلاح في معالجة هذه الاختلالات الهيكلية في النظام وبالتالي انفجرت الثورة، واستحالة نجاحه لم تكن ظرفاً طارئاً بل محدودية بنيوية متأصّلة ليس فقط في بنية علاقات القوي ولكن في مشروعه الإصلاحي المنسجم تماما مع النيو ليبرالي والمحتقر أيضا للفئات الشعبية مع انحيازات للطبقات الوسطي الحضرية باطيافها. والغريب أن أصحاب هذا الخطاب يسوقون الان سرديتين متناقضتين في آنٍ واحد: للشارع يقولون إنهم من هيا بيئة الحراك والتغيير، وللنظام يقولون إنهم ما يُطيل عمر الأنظمة ويصون استقرارها. هذا الخطاب المزدوج لا يكشف عن مشروع تغيير حقيقي بقدر ما يكشف عن مشروع إعادة تموضع في معادلات السلطة. لكن هذا الخطاب يستحق أن نقف عنده بتساؤلات جدية: هل كان الإصلاح من الداخل ممكناً فعلاً في يوم من الأيام؟ وهل ما يُقدَّم بوصفه فرصةً ضائعة لم يكن في حقيقته وهماً مريحاً؟ … وهذا ما يستحق نقاش اوسع.

