في أزمة الرأسمالية ولحظة ترامب: العصاباتية كأداة للهيمنة
إن ما نرقبه اليوم ليس تبدّلًا عابرًا في أمزجة السياسة الأمريكية، بل التعبير الأوضح عن أزمة بنيوية متجذّرة في الرأسمالية العالمية ومنطق الهيمنة. يظهر ترامب هنا لا كاستثناء، بل كأداة كشف وتسريع: لحظة تُدار فيها الرأسمالية بالقوة لا بالقواعد، وتُختزل السياسة في السيادة لا في الحقوق—دولة بسلطة تنفيذية متغوّلة، رأسمال محمي داخليًا وخارجيًا، عمال منضبطون، وحدود وجوار مُحكمان.
في هذا السياق، تعيد الولايات المتحدة تموضع أولوياتها الاستراتيجية من جنوب شرق آسيا نحو الداخل والمجال اللاتيني–الكاريبي، وحدود كندا والمكسيك، وغرينلاند، بوصفه «حديقة خلفية» مُحصّنة. الهدف هو تأمين حاضنة إمبريالية إقليمية قادرة على الصمود في مواجهة تراجع الهيمنة وصعود الصين وتوغّلها الجغرافي. باختصار، تمثّل الميركنتيلية الإمبريالية المُعسكرة، مقرونةً بمحاولات إعادة تشكيل قسري لنُظم الجوار الجنوبي، إجابة اليمين الأمريكي على أزمة التراكم وتآكل التفوّق.
ضمن هذا المسار، لا تُهمَّش قضايا المناخ عرضًا، بل تُزاح سياسيًا عن مركز النقاش العام، لصالح استعادة هوس الطاقة الأحفورية والتسليح باعتبارهما ركيزتين للأمن القومي والنفوذ الجيوسياسي. يُضحّى بالتحوّل البيئي لصالح نموذج تراكم يقوم على الاستخراج والعسكرة والسيطرة على الموارد، وتُعاد صياغة الأزمة المناخية ككلفة مؤجّلة في معركة الهيمنة.
ليس المقصود إنهاء النظام العالمي الذي يضمن—رغم كل شيء—تدفّق فوائض القيمة إلى الأوليغارشية الأمريكية، بل إعادة ضبطه بالقوة بما يحفظ التفوّق الإمبريالي ويغلق مسارات التحوّل نحو تعددية قطبية ومراكز قوة مستقلة. وتأتي فنزويلا مثالًا ورسالة: فرض الانضباط في المجال اللاتيني، وإبلاغ الصين بأن التمدّد داخل «المحيط الأمريكي» سيُواجَه بمنطق القوة لا القواعد.
ومع ذلك، فإن لجوء الإمبريالية إلى العنف، وأساليب حروب العصابات، واستعراض منطق الفتوات -في حالة مادورو-يكشف عن تخلخل قبضة الهيمنة أكثر مما يبرهن على صلابتها. إنها محاولة لاستعادة هيبة مفقودة بوسائل مدمّرة، لا تعمّق السيطرة بقدر ما تفضح حدودها، وتفتح -رغم قتامة المشهد- ثغرات حقيقية لمساحات مقاومة وبدائل.

