كوم أمبو، يوم الخميس
بائعون كثر ومشترون قلائل
كان لدي مصلحة في مدينة كوم أمبو، ما اضطرني إلى التوجّه إليها اليوم. تزامن ذلك مع نهاية موسم القصب، حيث تتكدس مقطورات نقل القصب الضخمة عند المدخل الشمالي للمدينة، أمام مصنع السكر. والأهم أنّه يوم الخميس (يوم السوق)؛ اليوم الذي حاولتُ تفاديه، لكن لم يكن لديّ متّسع لإنهاء هذه المعاملة الحكومية قبل رحيلي شمالًا سوى هذا التوقيت.
كوم أمبو مدينة-سوق مفترح بامتياز؛ تمتد فيها المحال والباعة على طول الشوارع الرئيسية وعرضها، وتتحول إلى قبلة لسكان القرى والمراكز المجاورة، خصوصا في مواسم الأعياد ويوم سوق الخميس. تاريخيًا، لم يكن “يوم السوق” مجرد تبادل للسلع، بل إيقاعًا اجتماعيًا ينظّم الحركة بين القرى والمدينة ويكرس لمكانة المدينة الاقتصادية البارزة، إيقاع بدا اليوم مضطربًا.
أنزلتني عربة «الكبوت» عند الموقف في المدخل الشمالي. والكبوت هي عربة نصف نقل جرى تعديل صندوقها الخلفي ليصبح مقاعد غير مريحة لاثني عشر راكبًا، ستة على كل جانب. كنت أستقلّها منذ عقدين بنصف جنيه، بينما بلغت أجرتها اليوم عشرة جنيهات؛ كأن المسافة ظلّت كما هي، لكن الزمن تغيّر كله.
أنا مولع بالتقسيم الاجتماعي والطبقي للسوق؛ فهمُ وتحليلُ التركيب المكاني مهارةٌ تعلّمتها خلال دراستي للتحوّلات الريفية خلال مرحلة الدكتوراه بفضل اساتذتي في الجغرافيا البشرية. لذلك اهتم بتوزيع البائعين والبائعات وتقسيم الفضاءات. وكما جرت العادة، لاحظت ان النساء لازلن يفترشن الجزء الامامي من سوق الخميس أي بعيدا مركز السوق، يبعن إنتاجهن المنزلي: جبن، ومِش، وطيور، وصغار طيور. لمحتُ سيدة تبيع بطًا صغيرًا في قفص، وأخرى تبيع الجبن، وثالثة تعرض الحبوب. لكن اللافت أنّ عدد البائعات كان أكبر من عدد المشترين. ظننت في البداية أنّ ذلك بسبب توقيت الوصول كانت الساعة لم تتجاوز الثامنة والنصف آو لأنني ما زلت عند مدخل السوق.
واصلت السير عبر السوق إلى جهة مصلحتي. عند مطلع الكوبري صادفت متسولين ومتسولات يجلسون على عتبات تفصل بين السلالم، وباعةً يصطفّون حتى فوق الكوبري نفسه. وفي الجهة الأخرى، قبل الولوج الي قلب السوق-المدينة، وقبل الدخول إلى الشوارع الكبيرة، ظهرت مجموعة أخرى من السيدات يبعن الجبن والخبز وبعض منتجاتهن، في مواجهة المحال التجارية المتراصة. بدا لي ان هذا الهامش الجغرافي للبائعات لم يتحرك كثيرا عبر السنوات الطويلة التي ازور فيها سوق الخميس من حين لاخر لازلن يشغلن الهامش لكنهن لازلن موجودات وربما بكثافة اكبر حيث هذا القسم الجديد أتصور انه لم يكن موجودا سابقا.
عبرتُ مسرعا نحو السجل، بناءً على إرشاد موظف في فرع أسوان بأن معاملتي ستُنهي هنا. أوقفني أمين الشرطة عند البوابة، نظر في أوراقي، وأخبرني أن عليّ التوجّه إلى سجل ناصر، لا إلى هذا المكتب “ مكتوب في الشهادة مركز نصر يبقي تروح مركز نصر”.
لم يكن الموظفين قد توافدوا بعد، لكن العشرات غالبيتهن من النساء كنّ ينتظرن أدوارهن. تناثرت كلمات مثل «معاش» و«تأمين صحي» بين الأحاديث المتقطعة. مضيتُ سريعًا.
انتقلتُ إلى موقف ناصر، واستقللتُ «كبوّت» أخرى. عند الوصول بدا السجل هناك أكثر هدوءًا، بعدد أقل من المواطنين. أخبرني الموظف أنّ معاملتي ليست من اختصاصهم، وأن عليّ رفع دعوة قضائية لتصحيح اسم كتبه موظف حكومي بالخطا وترتب عليه أخطاء متراكمة لعشرات السنين. عدتُ إلى كوم أمبو، لأنه الطريق الأسرع للعودة إلى قريتي، رغم وجود سيارات مباشرة بين مدنية ناصر (العاصمة الادراية لقريتي) وقريتي، لكنها قليلة وتمتلئ ببطء لضعف الحركة، بعكس خط الكبوت الذي يربط كل من قريتي بكوم أمبو وناصر بكوم امبو.
قررتُ استغلال العودة للتجوّل في السوق وشراء بعض الاحتياجات. هنا تأكّد انطباعي الأول: ضعف الإقبال لم يكن عابرًا. كان النهار قد انتصف، ومع ذلك ظلّ عدد المشترين محدودًا، وبدت العصبية على وجوه البائعين وفي ردودهم. توقفت سيدة لتسال عن سعر طماطم وواصلت مسيرتها حين خبرت السعر (40 جنيه). وقفت لدقائق عند بائع ولم يكن هناك مشترين لديه غيري.
سألت عن الأسعار: الطماطم التي شغلت الرأي العام تراوح سعرها بين 30 و40 جنيهًا بحسب الحجم والجودة. الخيار وصل إلى 25، والعنب إلى 120، والتفاح إلى 100 جنيه، بينما استقر البصل حول 15 جنيهًا. لفت نظري أيضًا كومة ذابلة من الباذنجان، كأنها تلخّص حال السوق. لفتني كذلك أن الأسعار في أسوان تبدو أعلى من القاهرة، بل حتى من أسواقها الشعبية.
بعد شراء بعض الأغراض، عدتُ إلى الموقف. امتلأت السيارة بسرعة، وهذا متوقع في يوم سوق. لكن غير المتوقع كان قلّة الأكياس السوداء في أيدي الركاب. في ذاكرتي، كان يوم السوق يعني أن تمتلئ المساحات تحت المقاعد بالأكياس، وأن تختلط أحيانًا بين أصحابها. هذه المرة، بدت الأكياس قليلة وصغيرة. دار حديث عن الطماطم والأسعار، وعن كون المحصول يأتي من خارج المحافظة، وعن تأثير الحرارة على الإنتاج في هذه الشهور ثم اختلط كل ذلك بصمت ثقيل.
أتابع عادةً أرقام السلع الغذائية، وأقرأ المؤشرات الاقتصادية. لكن جولة قصيرة في سوق كوم أمبو، وحديث ركاب «الكبوت» وصمتهم، وتحسّرهم على الأسعار والجودة، كان أبلغ من أي أرقام.

