الي الباريكاد
حركة فرنسا الأبيّة في مواجهة عاصفة دم ليون
على خلفية مقتل ناشط من اليمين المتطرف إثر اشتباك بين مناهضي الفاشية والفاشيين في مدينة ليون، التي باتت تشتهر بهذه المواجهات في السنوات الأخيرة، تعيش حركة فرنسا الأبيّة التي يقودها اليساري الفرنسي الأبرز جون لوك ميلانشون موجة هجوم شرسة. والمفارقة أن الحادثة وقعت على هامش مؤتمر شاركت فيه ريما حسن، النائبة الأوروبية الفلسطينية الفرنسية عن حركة فرنسا الأبيّة، مما أتاح لخصوم الحركة توظيف اسمها في قلب الأزمة.
منذ تلك اللحظة، تصاعدت حملة الشيطنة لتشمل طيفاً واسعاً: اليمين المتطرف، وحكومة يمين الوسطية، والحزب الاشتراكي، وكلهم يحمّلون فرنسا الأبيّة المسؤولية الأخلاقية عن العنف السياسي، متهمين إياها بتأجيج الصراعات ورفع منسوب التوتر في الخطاب العام. وما يجمع هؤلاء المتباينين أيديولوجياً ليس حباً مفاجئاً لبعضهم، بل هو السعي المشترك للإجهاز على حركة تُحرج الحكومة واليسار التقليدي بخطابها الجذري، وتُرسّخ بقوة احتمال المواجهة الكبرى بين ميلانشون ومارين لوبن او جودران بارديلا في الانتخابات الرئاسية 2027، تلك الانتخابات التي تظل المحطة الفاصلة في نظام يجعل رأس الدولة مركز القرار الحقيقي. وفرنسا من دون رأس فاعل، كما هو حالها اليوم، تتحول إلى فوضى سياسية بلا بوصلة. ولهذا يخوض الجميع منذ أكثر من عام حملةً رئاسية متواصلة، والقضاء على فرنسا الأبيّة هو النقطة الجامعة بين أطراف شتى، يمتد تحالفها غير المعلن ليشمل أصدقاء واشنطن وتل أبيب، فتتكالب العداوات جميعها.
والحادثة هذه المرة أشد وطأةً من المحاولات السابقة، إذ تورط في الأمر اثنين من المساعدين البرلمانيين لنائب عن الحركة بالإضافة لمتدرب لديه أيضا أي ثلاثة من احدي عشر شخص رهن التحقيق حاليا. فمن بين قرارات فرنسا الأبيّة الاستراتيجية فتح أبواب البرلمان لوجوه الحركات الاجتماعية الشعبية، وكان من بينهم مؤسس حركة الحراس المناهضة للفاشية، رفائيل ارنو الذي بات مساعدين برلمانيين له الآن رهن التحقيق في احتمال تورطه في مقتل الناشط الفاشي.
بيد أن ما يجري الان من محاولة الاجهاز علي حركة فرنسا الابية لا يبدو وليد حادثة واحدة أو انفجاراً لحظياً، بل هو امتداد لمسار ممتد من الاستهداف، خصوصاً منذ حرب الإبادة على غزة، حيث باتت عملية تشويه الحركة وكسب النقاط على حسابها دأباً مستمراً. في المقابل، تواصل الحركة تراكمها في فضاءات طالما أُهملت من قبل اليسار التقليدي البورجوازي واليمين الكاره للمهاجرين واصحاب الاصول الغير “جولوارية" : الضواحي والشباب والمدن الكبرى.
أربع وعشرون ساعة من القصف الإعلامي المتواصل، عبر إعلام الدولة وإعلام المليارديرات اليمينيين، حاولت فيها السردية السائدة تصوير اليمين المتطرف ضحيةً بريئة ومناهضي الفاشية جناةً متحجري القلوب. لكن هذه الرواية اصطدمت بفيديو مسرّب نشرته “كانار أنشينيه”، الصحيفة الساخرة والاستقصائية، يُظهر ميليشيا اليمين المتطرف مسلحةً بالعصي وهي تشن الهجوم أولاً. ثم تبعه فيديو ثانٍ يؤكد الرواية ذاتها وانتشر بسرعة. لم تتوقف الحملة، لكن هذه الشهادات المرئية أعادت ضبط حدة الخطاب.
وفي اليوم التالي، بدأت تتكشف الوجه الآخر للأزمة؛ أُفرغ مقر فرنسا الأبيّة في الصباح إثر بلاغ بتهديد حقيقي بوجود قنبلة داخل المبنى، وتزامن ذلك مع تكسير مقار لنواب الحركة في أماكن متعددة، خمسة مقار وفق ما أُفيد، فيما وصلت تهديدات صريحة بالقتل إلى قيادات الحركة ومؤسس حركة “حراس”، وإلى جان-لوك ميلانشون نفسه وأعضاء بارزين في الحركة.
تهديدات اليمين الفاشي هنا ليست ضجيجاً فارغاً؛ هي واقعية وخطيرة. لكنها في مفارقة لافتة تعمل أيضاً كعامل معادل، يمنح فرنسا الأبيّة مساحة للرد وإعادة الظهور، ويُذكّر الرأي العام أن عنف اليمين المتطرف ليس استثناءً عابراً. ولعل أبلغ دليل على ذلك أن ضحايا اليمين المتطرف على مدار سنوات لم ينالوا لحظة اعتراف واحدة تُقارن بدقيقة الصمت التي خصصها برلمان ماكرون للناشط الفاشي.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال أن فرنسا تمتلك قدراً من الإعلامي المستقل الذي يحدّ من احتكار السردية. ثمة إعلام مستقل يتابعه الملايين ويتمتع بدرجات متفاوتة من الجذرية، من ميديابارت وبلاست ولو موند بلو ولو ميديا، إلى يوتيوبرز سياسيين وقنوات الحركة وصفحات نوابها التي تحصد ملايين المتابعات. هؤلاء ليسوا دائماً أصدقاء ميلانشون، لكن معظمهم معادون للفاشية المحلية، وسيسعون لإعادة ضبط الرواية حين يرون خطراً حقيقياً واختطافا يمينيا للمظلومية ونصاعة اليد. هذا كله يصنع حائط صد في لحظات كهذه، وثقافة “الباريكاد” ميراث يساري فرنسي عريق، يُشكّل كتلة تمنع اليمين المتطرف من فرض روايته بالكامل. اليمين المتطرف ليس هامشياً، لكنه يرتكز على أكثر التنظيمات عنفاً وتطرفاً وعفنا ايضا، سواء داخل الجامعات كـ”الجود” أو خارجها، وهذا العنف يتسرب إلى الشارع في لحظات كهذه بصورة يصعب ضبطها سياسياً، مما يجعل الاستثمار المتوهَّم من مقتل الناشط الفاشي أقل بكثير مما يتصوره كثيرون، وإن كان سيترك أثراً لا محالة.
لهذا كله أرجّح أن حركة فرنسا الأبيّة ستعبر هذه الأزمة. ليس بمعنى غياب الخسائر، بل بمعنى أن البنية السياسية والإعلامية في فرنسا، ومعها القدرة التنظيمية المتراكمة للحركة، تمنحها مقاومةً استثنائية للصدمات. فرنسا الأبيّة ليست موجة انتخابية عابرة؛ هي حركة بنت نفسها على مدار عشر سنوات: مدرسة كوادر سنوية، ومركز أبحاث، وفرق عمل متواصلة، وقاعدة منتسبين موزعة في المدن الكبرى وطول فرنسا. هذه الأدوات لا تمنع الضربات، لكنها تجعل الحركة أقدر على تلقيها وتحويل جزء منها إلى مكاسب. وحتى الأصوات الواقعة على يسار فرنسا الأبيّة، التي تهاجمتها طول الوقت اصطفت معها بشكل سريع ومباشر مثل تيار الثورة الدائمة وحزب نضال العمال وحزب مناهضة النيوليبرالية ... وغيرها لتعيد التموضع أمام تهديد فاشي مباشر، فتنشأ إعادة ترتيب داخلية تسمح لمعسكر مناهضة الفاشية، رغم كل تناقضاته، بأن يبقى له صوت، بل صوت قوي وان لم يكن مهيمن.

