الكتلة البورجوازية الجديدة-القديمة في مصر
بلا هيمنة، بلا تحالف علني
اثارت اشادة نجيب ساويرس العلنية باللواء كامل الوزير، واصفا اياه بانه "وزير بيشتغل 24 ساعة ومجتهد فوق الوصف ومضغوط"، بعض الجدل، وذلك بعد ان اهان الوزير مهندسا على الهواء مباشرة بسبب عدم اتقانه شرح خريطة الطرق، وطرده حرفيا من اللقاء. لم يكن ساويرس هنا يبدي رأيا شخصيا في مسؤول حكومي، بل كان يعبر عن اصطفاف لم يعد استثنائيا في سياق اعادة تشكل العلاقة بين النخب البورجوازية والنخب العسكرية الحاكمة، ليس فقط على مستوى الاعمال وزيادة مكاسب ونفوذ كبار المستثمرين المصريين، بل ايضا على مستوى بناء منظومة تشريعية وقانونية تؤطر لهذه الكتلة الجديدة. بدا ذلك كاعلان غير صريح عن قبول قواعد لعبة استغرق تشكلها سنوات من الصراع والتفاوض والتراجع واعادة التموضع.
لفهم هذا المشهد لا يكفي قراءته منفردا. ثمة مشاهد اخرى متواترة خلال الاسابيع القليلة الماضية تكمله: عودة هشام طلعت مصطفى وظهوره الاعلامي الكثيف في المتحف الكبير، ومع اشهر المذيعين، وبجوار الرئيس، بعد سنوات من العمل الاقتصادي في صمت بعيدا عن الصخب الاعلامي حول شخصه. يضاف الى ذلك بروز نوع من النواب الليبراليين، امثال الدكتور محمد فؤاد، عضو المكتب السياسي بحزب حزب العدل وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، بوصفه عنصرا وظيفيا يضفي طابع التعددية على مشهد لا تعددية حقيقية فيه؛ عبر اضفاء نزعة “علمية” اقتصادية ولغة اصلاح تشريعي وبدائل تقنية. ويضاف الى هذا المشهد ايضا، اشادة مستثمرين زراعيين مثل سمير النجار، المعروف بـ”امبراطور البطاطس”، واخرين بجهاز جهاز مستقبل مصر الذي يديره العقيد طيار دكتور بهاء الغنام.
تبدو هذه المشاهد متفرقة في الظاهر، لكنها حين تقرأ معا تكشف نمطا واحدا: كتلة بورجوازية تعيد تموضعها، وتعيد صياغة علاقتها بالسلطة من جديد.
افترض هنا ان هذه الملاحظات لا يجب ان تقرأ منفردة بوصفها حسابات فردية او ذاتية لرجل اعمال يحسن ادارة علاقاته، او لسياسي بارز يجد نافذة للسطوع كاحد نجوم الاصلاح الليبرالي، او كرأسمالي يعجب بوزير كفء ويعبر عن رأيه بحرية. ما يجمعها ليس تشابه الشخصيات بل تشابه المنطق: منطق تحالف بين شرائح من الطبقات الوسطى العليا والنخب الاقتصادية في قطاعات متعددة، وجدت في التحالف مع السلطة العسكرية الحل الامثل لحفظ مصالحها وتجنب الفوضى التي تخشاها.
يساعدنا تحليل ميشيل دوبري هنا على فهم نقطة البداية والعودة الى لحظة اسقاط محمد مرسي. فالتحالفات الانتهازية، كما يحللها في دراسته للازمات السياسية، لا تحتاج الى تنسيق مسبق او مشروع مشترك؛ يكفي ان يتقاطع منطق البقاء لدى فاعلين مختلفين في لحظة واحدة. كانت 30 يوليو 2013 بالضبط هذه اللحظة: الجيش يواجه فراغا في الشرعية وحاجة الى ادارة اقتصاد منهك، بينما كانت البورجوازية تواجه نموذج حكم تخشى منه على مصالحها. لم يجتمعوا حول مشروع، بل حول خطر مشترك. وهذا الاجتماع الانتهازي اسقط الاخوان، مع عدم الغاء المسؤولية السياسية للاخوان عن خلق البيئة الملائمة والاسباب الموضوعية التي سمحت بولادة هذا التحالف الانتهازي ونجاحه.
لكن تحليل دوبري يفسر لحظة النشأة ويصمت عما يأتي بعدها من ثبات او تحلل واعادة تشكل للتحالفات الحاكمة.
ما جاء بعد تلك اللحظة لم يكن سلسا. ففي المرحلة الاولى من حكم عبد الفتاح السيسي وضع هذا التحالف الانتهازي اللحظي علي الهامش ودخلت المؤسسة العسكرية بثقل مباشر ومتسارع الى الاقتصاد، بصورة اكبر من المعتاد وجمدت العمل السياسي لاجل غير مسمي. الجيش موجود اقتصاديا منذ عقود، لكن تسارع تدخلاته بدا ظاهرا للعيان مع السنوات الاولى من حكم السيسي. الرأسمالية المحلية لم تتمرد سياسيا؛ لم تكن قادرة على ذلك ولا راغبة فيه، لكنها تراجعت اقتصاديا وادرات صخبا اعلاميا. بعض من رغبوا في المواجهة جمدوا استثماراتهم، او هربوا رؤوس الاموال، او ابقوها سائلة، بينما فتح اخرون قنوات للتفاوض وحققوا مكاسب. لكن عدم الرضا عن التدخلات العنيفة للمؤسسة العسكرية في الاقتصاد خلق ارتباكا، وخرجت اصوات علنية تنتقد “اقتصاد الجيش”، وهذا احرج المؤسسة، خاصة امام الفاعلين الدوليين. وكان نجيب ساويرس، للمفارقة، احد ابرز الاصوات المطالبة بخروج الجيش من الاقتصاد، الى درجة ان السيسي اضطر، عقب احدى مداخلاته، الى الرد شخصيا مؤكدا ان شركات ساويرس شريك في اغلب المشروعات وتحقق مكاسب منها.
تسببت مناوشات رجال الاعمال، ومن خلفهم او امامهم شبكات التمويل الدولية، وتحديدا الممولون الاساسيون مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الاوروبي لاعادة الاعمار والتنمية، في ارتباك النظام الوليد، استغل كبار رجال الاعمال وبعض الرموز الليبرالية (يمكن وصفهم بالكتلة البورجوازية الناشئة) للتفاوض من اعلى؛ ليس تفاوضا جلس فيه الطرفان على طاولة واحدة، بل تعديلا تدريجيا وصامتا في قواعد اللعبة. تراجع الجيش عن بعض المساحات الاقتصادية، وعادت البورجوازية الى الصمت المحسوب وتوسيع استثماراتها. لكن هذا التراجع لم يصحبه عقد مكتوب او ضمانات مؤسسية؛ كان براغماتيا، قائما على قراءة الطرفين لحدود ما يمكن تحمله.
نتاج هذا التفاوض هو ما يمكن تسميته بالكتلة في السلطة وهو مفهوم يعود الى نيكوس بولانتزاس ويعني به تحالف بين المؤسسة العسكرية بوصفها الفصيل المهيمن، والنخب المالية والتقنية والعقارية، والكوادر التكنوقراطية التي تريد احتلال مكان تحت الشمس في البرلمان والقنوات الاعلامية وعقود الاستشارات الدولية. ليست هذه الكتلة تحالفا رسميا، بل تركيبا اجتماعيا تنظمه الدولة وتتوسط في تناقضاته. والتوليفة التي رسخت نفسها هي: ليبرالية سوق لصالح القطاع الخاص، مع احتفاظ الدولة بحق التدخل المفتوح وغير المحدود، وهامش استحواذ محمي للمؤسسة العسكرية لا تضبطه قواعد واضحة.
لكن مفهوم الكتلة في السلطة عند بولانتزاس يفترض وجود فصيل مهيمن قادر على تقديم مصالحه بوصفها مصلحة عامة مقنعة، وهنا يكمن التناقض البنيوي للحالة المصرية. فالمؤسسة العسكرية تحمل في داخلها تناقضا اساسيا: هي في آن واحد جهاز دولة يدعي تمثيل الوطن، وفصيل اقتصادي يتراكم لصالح مؤسسة خاصة وطبقة خاصة داخل هذه المؤسسة، وقوة سياسية تحتكر القرار. هذا التثليث يجعل انتاج الهيمنة امرا بالغ الصعوبة، لان اي هيمنة حقيقية تستلزم تقديم ضمانات للحلفاء تقيد هامش الاستحواذ، وهو ما لا تريده المؤسسة ولا تقدر على تقديمه. والحل الذي وجده النظام لهذا المأزق كان انتاج ايديولوجيا تشغيلية لا هيمنة كاملة: سردية وطنية تعيد صياغة قواعد اللعبة باعتبارها طبيعية وحتمية، وتبرر الترتيب القائم بلغة التنمية والاستقرار والمصلحة العليا.
وهنا تظهر الدلالة الحقيقية لمديح ساويرس. فهو لا يمدح الوزير رغم كونه عسكريا، بل يمدحه كتكنوقراط بمعايير السوق: الكفاءة، والرؤية، والانجاز. وهذا بالضبط ما تفعله السردية الوطنية الليبرالية التي تنتجها البورجوازية طوعا: تحول الوزير العسكري الى مدير تنفيذي، وتطبع الوجود العسكري في الاقتصاد بوصفه ميزة نسبية لا امتيازا خاصا، وتشير الى الجيش باعتباره “الدولة” حتى يبدو التراتب القائم سياسة عامة لا ترتيبا طبقيا. وفي الوثائق الوطنية وخطابات التنمية نجد الصياغة الاكثر احكاما لهذه الايديولوجيا: مشروعات قومية تشمل الجميع، وشراكة بين القطاعين، ونهضة تتقاسمها الدولة والمجتمع.
هذه السردية اقوى من الدعاية الرسمية لانها تصدر في صورة وثائق عامة يشارك في انتاجها خبراء وتقنيون. لكن هشاشتها تكشف حدودها: فالبورجوازية تتكيف لكنها لا تقتنع، وتحسب التكاليف لكنها لا تتبنى المشروع بالكامل. مع كل ازمة محلية يهرب ساويرس واقرانه الى بؤر اكثر امانا — كقطاع التعدين او التوسع في الخليج — بما يكشف ان الولاء براغماتي لا عضوي، وان الكتلة متماسكة في اوقات الهدوء ومتصدعة في اوقات الضغط. كما ان المسافة التي تحرص هذه الكتلة على اتخاذها عبر تقديم ادوارها السياسية بوصفها ادوارا "اقتصادية" او "تقنية"، وكفاعلين “مستقلين”، تؤكد ان العلاقة ليست شراكة فعلية في الحكم. فليس النظام وحده من يرفض المشاركة السياسية العلنية؛ بل ان هذه الصيغة نفسها تضمن استمرار نفوذ ومصالح البورجوازية المصرية من دون ان تتحمل اعباء الحكم واخطاءه. وهنا تحديدا تكمن هشاشة هذه الكتلة.
ما نشهده إذن ليس نظام حكم مستقر، بل إدارة لتناقض مزمن. وربما هذا وحده ما يمكن قوله الآن أن الكتلة موجودة، وأن تناقضاتها موجودة معها، وأن ما سيحدث بعد ذلك لم يُكتب بعد.

