هل يمكن مناهضة الإمبريالية من دون تبرير قمع الشعوب؟
الواقع السياسي في منطقتنا مركّب بطبيعته، لكن ما يهيمن على الخطاب العام اليوم هو منطق المعسكرات المتصلبة: محور «مناهض للإمبريالية» في مواجهة «المحور الأمريكي–الإسرائيلي». داخل هذه الثنائية الاختزالية يُهمَل عنصر أساسي: البشر أنفسهم. ملايين المواطنين الذين يعيشون تحت أنظمة تُقدَّم بوصفها مناهِضة للإمبريالية، ويُطالَبون بالصمت أو بالاصطفاف القسري، وإلا وُصِموا بالعمالة أو بالانبطاح. هكذا تتحول مناهضة الإمبريالية من موقف تحرري إلى خطاب ينزع الوكالة عن الشعوب باسم الدفاع عنها.
تتكرر هذه الإشكالية في سياقات مختلفة، وتظهر اليوم بوضوح في إيران. ففي هذه الحالات، يجري إنكار الحق الطبيعي والمشروع للاحتجاجات الشعبية ضد أنظمة تواجه ضغطًا أو عنفًا إمبرياليًا خارجيًا، بينما تمارس هي نفسها القمع والعنف بحق مواطنيها في الداخل. وإذا كان احتقار الشعوب من قبل المعسكر الإمبريالي أمرًا مفهومًا بوصفه امتدادًا لتاريخ استعماري تراتبي، فإن ما يعنينا هنا هو إنكار الشعوب من طرف التيار المناهض للإمبريالية نفسه، حين يحوّل أي فعل اجتماعي إلى مؤامرة، وأي احتجاج إلى أداة خارجية.
السخط الشعبي نتاج معقّد لتداخل سياسات داخلية وضغوط خارجية. ولا يمكن اليوم إنكار الأثر الكارثي للعقوبات الأمريكية والغربية، التي تُعد شكلًا من أشكال الإبادة الصامتة. فقد خضع نحو ثلث دول العالم أي ما يقارب 2.3 مليار نسمة، خضعوا لشكل من أشكال العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة خلال الفترة 2010–2022. ويتجاوز الأثر الإنساني لهذه الإجراءات الأرقام الاقتصادية؛ إذ كشفت دراسة بحثية بارزة نُشرت في مجلة لانسيت العلمية أن العقوبات الأوروبية والأمريكية تتسبب في وفاة نحو 564 ألف شخص سنويًا كنتيجة مباشرة للقيود التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن الاعتراف بوحشية العقوبات لا يلغي ولا يجب أن يلغي حق الشعوب في مقاومة القمع المحلي. الجمع بين الأمرين ليس ممكنًا فحسب، بل ضروري سياسيًا وأخلاقيًا.
المشكلة الأساسية في قطاع واسع من التيار المناهض للإمبريالية هي اختزاله الصراع إلى بعد واحد. الإمبريالية، في هذا المنظور، هي «أمّ المشكلات»، وكل ما عداها تفصيل ثانوي أو مؤامرة مشتقة. وبهذا تُجمَّد فاعلية المجتمعات، ويُفرَغ الفعل الشعبي من مضمونه، ويُعاد تعريف السياسة بوصفها مجرد صراع بين دول ومحاور. صحيح أن الإمبريالية قادرة على استغلال الاحتجاجات، بل وعلى توجيهها أحيانًا، لكن هذه الحقيقة لا تشرعن قمع الشعوب ولا تحوّل السلطوية إلى قدر تاريخي. ذريعة «الوقت غير المناسب» تتحول هنا إلى تعليق دائم للحقوق، طالما أن النظام القائم يرفع شعار مناهضة الإمبريالية.
في لحظات الانسداد التاريخي، وغياب أي أفق تحرري ملموس، قد تنحاز قوى اجتماعية، بل ومجتمعات بأكملها، إلى سلطوية محلية بوصفها «الخيار الأقل سوءًا». فالفراغ الناتج عن انهيار حصون المواجهة الهشّة مع الإمبريالية لا يعني بالضرورة التحرر، بل قد يعني مزيدًا من الانسحاق والفوضى. هذا السياق يفسّر وإن كان لا يبرّر كيف يتحول الخوف من التفكك والانهيار إلى رهان دفاعي على أنظمة أو قوى سلطوية.
يتعزز هذا المنطق في منطقتنا في ظل ما شهدته غزة خلال العامين الماضيين. فواقع الأمر أن من وقف مع غزة ماديًا وسياسيًا، تحت ضغط هائل، كانوا دولًا وجماعات محسوبة على محور الممانعة. هذا معطى لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه تحليليًا. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يجب أن يتحول إلى تفويض مفتوح للسلطوية، ولا إلى مقايضة دائمة بين فلسطين والحرية، بين مقاومة العدوان الخارجي وتعليق حقوق الشعوب داخل هذه الكيانات.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن لهذا الاعتراف أن يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية: أن التحالف المناهض للإبادة في غزة قد توسّع إلى ما هو أبعد من حدود محور الممانعة، ليضم فاعلين وفاعلات جدداً من دول وأفراد وحركات، من جنوب أفريقيا إلى طلاب الجامعات في الغرب. تحالف موسع لوقف الإبادة (الحد الادني) لكنه دال، يعيد إلى الأذهان، ولو جزئيًا، روح حركات التحرر الوطني وحركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج) الجنوبية وحركات دعم استقلال ورفض الحرب بالشمال: التقاء مطالب حق تقرير المصير في الجنوب العالمي مع حركات مناهضة الحرب والاستعمار في الشمال.
التحدي الحقيقي هنا هو تفكيك هذه المفارقة المركّبة: كيف يمكن دعم أي مواجهة فعلية للإمبريالية دون تحويلها إلى مبرر لإدامة القهر الداخلي، ودون اختزال هذا التلاقي العابر للحدود في اصطفاف مع أنظمة أو محاور بعينها؟
لقد أثبتت التدخلات العسكرية الغربية المباشرة في منطقتنا كارثيتها بوضوح، كما في حالتي العراق وليبيا. فإسقاط أنظمة سلطوية بالقوة الخارجية دمّر المجتمعات، وفتح المجال لفوضى طويلة الأمد. وكلما تراجع العامل الخارجي في عمليات التغيير، زادت فرص تماسك المجتمعات، حتى في حالات استعادة السلطوية نفسها، التي باتت أكثر هشاشة وأقل قدرة على فرض هيمنتها الكاملة. ومع ذلك، يظل مأزق التعامل مع سلطويات «مناهِضة للإمبريالية» وقاهرة لشعوبها عاملًا معيقًا للتنظيم الاجتماعي والتضامن العابر للحدود.
لفهم هذا المأزق، لا بد من العودة إلى سؤال بسيط في صياغته، حاسم في نتائجه: لماذا نرفض الإمبريالية أصلًا؟ نرفضها لأنها تقوم على القهر والاستخلاص من أعلى، ونهب فائض القيمة، وتقويض مقدرات الشعوب، ومنع أي مسار مستقل للتنمية. وإذا كان هذا هو جوهر النقد، يصبح من الضروري توجيه السؤال نفسه إلى الأنظمة التي ترفع راية مناهضة الإمبريالية: أليست تمارس بدورها أنماطًا مشابهة من القهر والاستخلاص؟ أليست شرعيتها قائمة على القوة والغلبة، لا على المشاركة والتمثيل؟
تجربة سوريا مثال واضح على هذا التناقض. فالنظام كان سلطويًا إجراميًا قبل أي تدخل خارجي وقبل أي عقوبات. هذا لا ينفي فداحة التدخلات والعقوبات، لكنه يضع المسؤولية الأساسية على نظام سدّ كل أفق للتغيير السلمي ودفع المجتمع إلى الانفجار، ثم جرى تحميل الشعب كلفة النتائج باسم «المصلحة الوطنية» أو «مناهضة الإمبريالية». استغلال المحور الأمريكي للأزمة لا يجعل القمع حلًا مقبولًا، ولا يحوّل السلطوية إلى فعل مقاوم.
ينطبق الأمر، بدرجات مختلفة، على أنظمة أخرى ضمن محور الممانعة، وفي مقدمتها إيران. فالاصطدام الموضوعي بالإمبريالية لا يحوّل هذه الأنظمة تلقائيًا إلى قوى تقدمية. انهيار إيران تحت ضربات أمريكية أو إسرائيلية سيكون كارثيًا على الشعب الإيراني، وعلى التحالف الهش الداعم لفلسطين، لكنه لا يفرض القبول بالقمع الداخلي بوصفه ثمنًا لا بد منه.
المشكلة، إذن، ليست في رفض الإمبريالية، بل في اختزال هذا الرفض إلى الدفاع عن أنظمة قائمة لمجرد أنها في حالة صراع مع الغرب. بقاء هذه الأنظمة لا يعني اقتراب أي نصر تحرري. المطلوب هو معيار مختلف: موقف مناهض للإمبريالية ومناهض في الوقت نفسه للاستبداد الداخلي، ينحاز إلى البشر لا إلى الأنظمة ولا إلى المعسكرات.
يمكن تلخيص هذا المعيار في مبدأ واحد: حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي مناهضة التدخلات الأجنبية والحروب الإمبريالية. هذا المبدأ ليس طرحًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل امتداد لتاريخ طويل من الحركات التحررية في الجنوب العالمي، ولميراث باندونج الذي لا يزال حيًا في لحظات الأزمات الكبرى، إلى جانب تاريخ حركات مناهضة الحروب الإمبريالية داخل الغرب نفسه. خيارات الشعوب لا تُقاس بنتائجها وحدها، بل بدوافعها وشروطها وسياقاتها. ومن هذا المنطلق، يظل من حق الشعب الإيراني، كما غيره من الشعوب، أن يعترض على أوضاعه الاقتصادية والسياسية، وأن يطالب بحقوقه الاجتماعية والسياسية، دون أن يُختزل صوته أو يُصادَر باسم حسابات المحاور والصراعات الجيوسياسية.
هذا المعيار لا يحمله فاعل جاهز ولا كتلة متجانسة، بل يتكوّن عبر عمليات بطيئة ومتراكمة: تنظيمات قاعدية في الشمال والجنوب، شبكات تضامن عابرة للحدود، حركات اجتماعية غير ممركزة، ونقاشات عامة تُعيد تعريف السياسة من خلال خلق التقاطعات والسعي إلى بلورة حدٍّ أدنى توافقي وتضامني. إنه فاعل في طور التشكّل، وفي حالة دائمة من البناء وإعادة البناء. ورغم كارثية اللحظة الراهنة، فإن مخاض هذه الكتلة ليس مستحيلًا، بل ممكنًا بالفعل.
في زمن الاستقطاب والضجيج، يبدو الانحياز إلى الناس والتواضع أمام تعقيد الواقع خيارًا صعبًا، لكنه الخيار الانسب براي لمنع مناهضة الإمبريالية من التحول إلى خطاب فارغ، أو إلى أداة جديدة لاحتقار الشعوب باسم الدفاع عنها.


تسلم إيدك
https://substack.com/profile/217623243-youssef-fahmy/note/c-200710996?utm_source=substack&utm_content=first-note-modal
مساء الخير، ده ردّي على البوست.